تونس تتنفس الكونغ فو: قصة مدرب وأطفال يعشقون الثقافة الصينية

ACTUALITÉS

بكلمة “ني هاو” (مرحبًا) التي انطلقت بحماس، استقبلنا السيد ماجد السويدي، مدرب الكونغ فو والتاي تشي، في القاعة الرياضية الشعبية بالمروج من  ولاية بن عروس. لم تكن التحية مجرد كلمة عابرة، بل كانت تعكس انغماسه العميق في الثقافة الصينية التي ينقلها إلى طلابه. القاعة كانت تعج بالحياة: عشرات الأطفال والمراهقين بين الثالثة والسابعة عشرة، يرتدون أزياء “الكيمونو” الصيني التقليدية بألوانها الزاهية – الأصفر والأحمر والأزرق – يتحركون بتناغم مذهل وكأنهم جسد واحد. في الخلفية، وقف الآباء والأمهات يشجعون أبناءهم بعيون مفعمة بالفخر، يصفقون بحماس عند كل حركة معقدة تنفذ بدقة. انتظرنا حتى نهاية الحصة التدريبية، حيث أتيحت لنا فرصة الحديث مع المدرب والأطفال وأولياء الأمور، في محاولة لفك شفرة هذا الشغف الغامض برياضة قديمة جاءت من الشرق البعيد.

مدرب بأسلوب صيني: رحلة ماجد السويدي من تونس إلى نينغشيا

بدأنا الحديث مع المدرب ماجد السويدي (47 عامًا) وهو حاصل على دبلوم في الفنون القتالية الصينية ومعتمد في التاي تشي والملاكمة الشمالية الصينية، وهو أحد المدربين التونسيين القلائل المعترف بهم من وزارة الشباب والرياضة في هذا التخصص.

بدأت رحلته في عام 2004 عندما بدأ بتعلم الكونغ فو في تونس، لكن نقطة التحول الحقيقية كانت في عام 2005، مع زيارة مدرب صيني إلى تونس ضمن برنامج تبادل ثقافي. “كانت تلك الزيارة قصيرة – ثلاثة أشهر فقط – لكنها غيرت حياتي”، يقول ماجد. “أدركت أن الكونغ فو  ليس مجرد حركات جسدية، بل هو فلسفة حياة”.

في عام 2007، قرر أن يكرس حياته لهذه الفلسفة، فسافر إلى مقاطعة نينغشيا في الصين، حيث تدرب على يد نفس المدرب الذي ألهمه في تونس. هناك، لم يتعلم فقط تقنيات متقدمة في الفنون القتالية، بل انغمس في الثقافة الصينية بأكملها: اللغة، التاريخ، وحتى العادات اليومية. “ذات مرة، تقدمت بطلب للانضمام إلى مدرسة متخصصة في التاي تشي، وفوجئت بأنهم قبلوني وقدموا لي منحة دراسية كاملة – السكن، الطعام، والدراسة مجانًا. هذا الكرم غير المتوقع جعلني أعتبر الصين وطني الثاني”.

مهمة ثقافية: لماذا قرر ماجد العودة إلى تونس؟

بعد الثورة التونسية في 2011-2012، عاد ماجد إلى تونس برؤية واضحة: إنشاء أكاديمية تدمج بين الرياضة والثقافة الصينية. يقول: “أردت أن أقدم للأطفال شيئًا مختلفًا – ليس فقط التدريب الجسدي، بل نافذة على عالم جديد”. أسس ناديه وبدأ في تدريس اللغة الصينية إلى جانب الحركات القتالية، مستخدمًا أساليب تفاعلية لجعل التعلم ممتعًا. “في البداية، كان تعلم اللغة يشكل عائقًا كبيرًا، لكننا حوّلناه إلى متعة. الآن، الأطفال يتواصلون خلال التدريب بالصينية بطلاقة”.

أحد التحديات التي يواجهها هي ندرة الموارد. الزي الرسمي للتدريب (الكيمونو) غير متوفر في تونس، لذا يضطر ماجد إلى شراء الأقمشة من السوق المحلية وتفصيلها يدويًا. حتى المعدات التدريبية يتم استيرادها بجهود شخصية أحيانًا. رغم ذلك، فإن إصراره على خلق الأجواء الصينية حتى في أدق التفاصيل هو ما يجعل التجربة فريدة للأطفال.

أصوات المستقبل: أحلام صغيرة و بطولات عالمية

في جولة بين الأطفال المتدربين، كان من الواضح أن الشغف بالثقافة الصينية تجاوز حدود القاعة الرياضية.

  • أحمد الجربوعي (14 عامًا)، بطل أفريقي في الملاكمة الجنوبية صينية: “بدأت في الرابعة من عمري. كنت أشاهد مع والدي أفلام شاولين القديمة، وشعرت كما لو أن هذه الرياضة جزء مني. حلمي هو السفر إلى الصين و زيارة معبد شاولين ·

عبد النور الدردوري (11 عامًا)، بطل عالمي ومتخصص في الملاكمة الشمالية: “أحب مشاهدة كُونغ فو باندا! هذه الرياضة علمتني أن أكون هادئًا حتى في أصعب اللحظات. عندما أرفع علم تونس في المسابقات الدولية، أشعر أنني أُمثِّل كل الأطفال العرب”

خلود دحموني (16 عامًا)، أكثر المتدربات خبرة: “الكثير من الفتيات في تونس لا يعرفن أن الكونغ فو يمكن أن يكون مفيدا لهن أيضًا. هذه الرياضة علمتني القوة الداخلية – ليس فقط الجسدية بل العقلية. أريد أن أصبح مدربة في المستقبل وأدعو المزيد من الفتيات الى الانضمام

هارون الكوكي (13 عامًا)، بطل تونس للكونغ فو: “المدرب ماجد دائمًا يخبرنا عن الانضباط الصيني والإتقان في العمل. هذا جعلني أريد أن أزور الصين لأتعلم من ثقافتهم و انضباطهم و احترامهم للوقت “

دور العائلات: كيف يدعم الآباء هذه الرحلة؟

الجزء الأكثر تأثيرًا في هذه القصة هو دور العائلات. السيدة ألفة الاندلسي، والدة عبد النور وعبد القادر، تقول: “في البداية، كنا قلقين من أن تؤثر الرياضة على دراستهم، لكن العكس حدث! تعلم اللغة الصينية جعلهم أكثر انضباطًا “. وتضيف: “أشعر أننا أصبحنا عائلة كبيرة هنا – الآباء، الأطفال، والمدرب. نحن نخطط  لرحلة جماعية إلى الصين في المستقبل”.

أما السيدة أسماء المهدي، التي تمارس التاي تشي هي وأطفالها الثلاثة، فترى أن الرياضة ساهمت في توطيد العلاقة الأسرية: “بدلًا من انتظار أطفالي وهم يتدربون قررت أن أشاركهم. الآن أصبحنا نتدرب سويًا، ونشجع بعضنا. التاي تشي ليس رياضة بل هو نشاط عائلي يوحدنا”.

رؤية للمستقبل: شراكات عابرة للحدود

يحلم ماجد بتوسيع مشروعه ليشمل أكاديمية متكاملة للفنون والثقافة الصينية في تونس. “أريد أن نوفر برامج تبادل مع الصين، حيث يمكن للأطفال التونسيين والصينيين التعلم من بعضهم”. ويوجه دعوة مفتوحة إلى السفارة الصينية في تونس والمؤسسات الرياضية الصينية: “هؤلاء الأطفال يمثلون جسرًا ثقافيًا حيًا. دعمهم هو استثمار في مستقبل العلاقات الثنائية”.

كونغ فو أكثر من رياضة بل ثقافة حية

قصة ماجد وأطفاله ليست مجرد قصة نجاح رياضي، بل هي نموذج لكيفية أن تصبح الرياضة جسرًا بين الحضارات. في قاعة بسيطة في ضواحي تونس، يتم اعادة إحياء تراث صيني عمره قرون، بأيدي وأصوات تونسية. هذا المشروع يثبت أن الشغف بالثقافة لا يعترف بالحدود، وأن الأحلام الصغيرة يمكن أن تخلق تغييرًا كبيرا

بقلم: ليلى بن عطية الله.

ARTICLES SIMILAIRES